ابن كثير
109
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق ، رواه ابن جرير « 1 » ، وقال وكيع ، عن سعيد المكي ، عن طاوس وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ قال : ليس بكفر ينقل عن الملة « 2 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حجير ، عن طاوس ، عن ابن عباس في قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 45 ] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) وهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه ، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس ، وهم يخالفون حكم ذلك عمدا وعنادا ، ويقيدون النضري من القرظي ، ولا يقيدون القرظي من النضري ، بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن ، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لأنهم جحدوا حكم اللّه قصدا منهم وعنادا وعمدا ، وقال هاهنا فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر اللّه بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضا . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد ، عن علي بن يزيد أخي يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ نصب النفس ورفع العين . وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد اللّه بن المبارك ، وقال الترمذي حسن غريب وقال البخاري تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث ، وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررا ولم ينسخ ، كما هو المشهور عن الجمهور ، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي ، وأكثر الأصحاب بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة . وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة ، رواه ابن أبي حاتم : وقد حكى الشيخ أبو زكريا
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 595 . ( 2 ) رواه ابن جرير ، المصدر السابق . ( 3 ) مسند أحمد 3 / 215 .